Nessa TV
آخر الأخبار

عندما ينهض "الدب الروسي"

عندما ينهض "الدب الروسي"

رونين ايتسيك 

 

في الغرب يدركون جيداً ميزان المخاطر، لذلك من المرجح أن يبقى الرد على استفزازات بوتين على مستوى التصريحات – وهو ما يعني أن زعيم الغرب يتخلى عن الريادة. وبهذه الطريقة يواصل بوتين الفوز في "ألعاب البوكر" بدون أن يكشف عن أوراقه، من خلال الإدراك أن الغرب حذر جداً من توجيه تهديد جدي يمكن أن يضع عدة خطوط حمراء من حوله.

مما لاشك فيه أن الحديث يدور حول قضية ترسم من جديد إعادة تقاسم السيطرة على المورد الأكثر أهمية، ألا وهو السيطرة على العالم. فمنذ التسعينيات كان يبدو أن روسيا قد تراجعت عن مكانة "الدولة العظمى" وأن الولايات المتحدة الأمريكية قد بقيت "منفردة في القمة". وهكذا تصرفت الولايات المتحدة من دون عناء كبير في إدارة المواجهات التي عززت من مصالحها، سواء كان ذلك في حالة كوسوفو، أو في حالة أفغانستان، أو في حالة حربي العراق. وكان يبدو أنه لا يوجد هناك من بوسعه أن يوقف "شرطي العالم".

ولكن قبل حوالى ثلاث سنوات، في الوقت الذي استخدم فيه الرئيس السوري السلاح غير التقليدي ضد معارضيه، كان الرئيس الأميركي بالذات، باراك أوباما، هو الذي صرح عن عدم رغبته في أن يكون شرطي العالم، وبذلك امتنع عن تنفيذ تهديده ضد سوريا مستفيداً من السلم الذي قدمه له الروس حتى ينزل عن "الشجرة". ويخيّل أنه منذ تلك الحادثة عادت روسيا لإدارة الأمور، وفرض الوتيرة، أقلها في منطقة الشرق الأوسط.

والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أدار شؤون روسيا خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة (عمل ولاية واحدة كرئيس للحكومة حيث كان هو من "يحرك الخيوط")، استخدم جيشه خلال هذه الفترة بشكل غير قليل: ضد الشيشان وضد الإرهاب وضد جورجيا وضد أوكرانيا، وأخيراً يستخدم سلاح الجو التابع له بشكل كبير في سوريا (لا يوجد أي دليل حول هجمات السايبر، إلا أن هذه الهجمات تُنسب إلى الروس أيضاً). والغرب ينظر إلى هجمات بوتين ويبدي حذراً كبيراً من عدم مواجهته - وعلى صعيد التصريحات "أميركا قلقة"، أما على الأرض فتصعب رؤية أي شخص يريد تحريك ولو "عضلة واحدة" لمواجهة قيصر العصر الحديث.

وهكذا عملياً، يقوم بوتين بفعل كل ما يحلو له، بدهاء أحياناً، إلا أنه بمثابرة وبتصميم – حيث أعادت روسيا لنفسها الوصول إلى البحر الأسود، وكذلك القدرة على تحريك الأسطول إلى البحر الأبيض المتوسط، مع الحفاظ على مصالحها الإقليمية في اللاذقية وفي طرطوس السوريتين. وبهذا الشكل، هي شريكة كبيرة في الحرب الأهلية الدموية الدائرة في سوريا، حيث أنه لم يعد أحد، منذ فترة طويلة، يختلف حول تنفيذ جرائم ضد الإنسانية هناك، في الوقت الذي لم يقدم "جنيف" أي حل.

وفي الأسابيع الأخيرة قفز سلوك الرئيس بوتين درجة أخرى وذلك عندما استخدم لغة تهديدية مقابل الغرب، ومن المرجح أنه سيطور خطواته لاحقاً. وطالما أن الغرب يرد بتراخٍ، فإننا نرى أن بوتين سيواصل أفعاله ولغته (التهديدية)، وذلك كشخص وجد الكثير من الغنائم. ومن المرجح أنه لا توجد لديه النية في الدخول في مواجهة مع أميركا، وذلك في الوقت الذي يوجد فيه الاقتصاد الروسي في الحضيض. إلا أن التاريخ يشير إلى أن الروس لا يخشون المواجهة طالما أن الأمر يخدم إستراتيجيتهم.

إن لدى روسيا مساحات شاسعة والكثير من الموارد الطبيعية، إلا أنها فقيرة جداً في مستوى المعيشة لديها، هذا باستثناء المراكز الثقافية في موسكو وفي سان بطرسبورغ، التي كانت مزدهرة دائماَ. ومما لا شك فيه أنه في اللحظة التي تنسحب فيها الولايات المتحدة الأميركية من دور الدولة العظمى الوحيدة فإن ذلك يشكل فرصة لبوتين لإعادة إرساء موقع روسيا في العالم، وهو يعمل بلا كلل.

لقد تعلمنا من التاريخ أنه عندما لا تكون هناك نية جدية للحرب، فإن مثل هذه الحرب يمكن أن تندلع نتيجة لحالات من سوء الفهم على مختلف أنواعها، مع التأكيد على أزمة ما يمكن أن تتطور بسرعة، في مرحلة ما، ويتم عندها فقدان التحكم (بالأمور). ويقدم السلوك الأميركي، خلال السنوات الأخيرة، أسباباً جيدة للاعتقاد بأنهم هم من سيتراجعون أولاً، وهذا الإحساس يكفي حتى لا يرتدع بوتين عن القيام بأعمال مستقبلية من جانبه.

ومن الواضح أن مواجهة عسكرية ستكون أصعب من المواجهة الاقتصادية بالنسبة لروسيا، إلا أن المجهول الأهم في المعادلة ليس الميزان الاقتصادي بالذات بل هو الميزان الإنساني والثقافي. وفي هذا الموضوع بالذات تعلمنا في السابق أنه عندما "ينهض الدب الروسي" فإن من شأنه أن يشكل تحدياً كبيراً.

لقد أثبت الشعب الروسي على مدى التاريخ قدرة لافتة على الصمود في وجه جيوش قوية، مع القدرة على تحقيق الحسم وإعادة الوضع إلى سابق عهده. والمثال الأبرز على ذلك هو الحرب العالمية الثانية والتي كانت فيها روسيا، على خلاف الولايات المتحدة، تعاني من حرب شاملة: حيث كانت الجبهتان الداخلية والخارجية تحت النار، وكانت كل الصناعة مجندة لذلك، كما أن الحرب القاسية حصدت أرواح أكثر من عشرين مليون قتيل. في ذلك الوقت أيضاً، عندما نهض الدب الروسي في وجه الغزو النازي في عملية "برباروسا"، تعرض لخسائر فادحة حتى نجح في إعادة بناء نفسه، والنهوض بها خلال الحرب، وبناء أكثر من 150فرقة، والبدء بالهجوم المضاد الذي انتهى في برلين.

إننا عندما ندخل إلى عمق الثقافة الروسية، ندرك أنهم يرون في أميركا، في وعيهم، نمراً من ورق. وفي لحظة التحدي هم لن يكونوا من يقبلون بالانكسار. فالحديث يدور عن ناس يجيدون العيش في حالات الأزمة والفاقة، وهم لا يخافون المواجهة - علاوة على أنه لا يوجد للكثيرين منهم ما يخسرونه. هذه الدينامية تعطي للزعيم ثقة كبيرة في قراراته، وهو يقوم، على ما يبدو، باستخدام هذه الثقة على نحو غير سيئ.

وفي الغرب يدركون جيداً ميزان المخاطر، لذلك من المرجح أن يبقى الرد على استفزازات بوتين على مستوى التصريحات – وهو ما يعني أن زعيم الغرب يتخلى عن الريادة. وبهذه الطريقة يواصل بوتين الفوز في "ألعاب البوكر" بدون أن يكشف عن أوراقه، من خلال الإدراك أن الغرب حذر جداً من توجيه تهديد جدي يمكن أن يضع عدة خطوط حمراء من حوله.

وعلاوة على ذلك، وفي ظل التقليصات العميقة التي تم تنفيذها في جيوش الدول الغربية، وبخاصة في التشكيلات البرية، فإن لديهم سبباً جيداً للخوف، ويبدو أن هذا الأمر مفهوم جيداً. ولا يوجد هناك أي شخص يريد أن يوقظ "الدب الروسي" من نومه. ولكن يبدو أنه قد نهض فعلاً، وهو يُظهر علامات جوع واضحة.

 

ترجمة: مرعي حطيني

المصدر: إسرائيل ديفينس